فصل: تفسير الآيات (1- 8):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



{يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى} (16) يقال: إنها يوم بدر..
{وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهوا} (24) ساكنا: يقال: أره على نفسك أي ارفق بها ولا تخرق. يقال: عيش راه، قال بشر بن أبى خازم:
فإن أهلك عمير فربّ ** زحف يشبّه نقعه رهوا ضبابا

{أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ} (37) ملوك اليمن كان كل واحد منهم يسمّى تبّعا لأنه يتبع صاحبه وكذلك الظل لأنه يتبع الشمس وموضع تبّع في الجاهلية موضع الخليفة في الإسلام وهم ملوك العرب الأعاظم..
{يَوْمَ لا يُغْنِي مولى عَنْ مولى شَيْئًا} (41) ابن عم عن ابن عم..
{ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} (49) في الدنيا..
{وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ} (54) جعلناهم أزواجا كما تزوج النعل بالنعل جعلناهم اثنين اثنين جميعا بجميع.. اهـ.

.قال الشريف الرضي:

ومن حم وهى السورة التي يذكر فيها الدخان:

.[سورة الدخان: آية 4]:

{فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4)}.
قوله سبحانه: {فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [4] وهذه استعارة، وقد مضى الكلام على مثلها في بنى إسرائيل. والمراد- واللّه أعلم- تبيين كل أمر حكيم في هذه الليلة، حتى يصير كفرق الصبح في بيانه، أو مفرق الطريق في اتضاحه. ومنه قولهم: فرقت الشعر. إذا خلصت بعضه من بعض، وبيّنت مخطّ وسطه بالمدرى أوبالأصبع.

.[سورة الدخان: آية 19]:

{وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (19)}.
وقوله سبحانه: {وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ} [19] وهذه استعارة. والمراد بالعلوهاهنا: الاستكبار على اللّه سبحانه، وعلى أوليائه.
ويوصف المستكبر في كلامهم بأن يقال: قد شمخ بأنفه. وهذه الصفة مثل وصفه بالعلو. لأن الشامخ: العالي.
وقال سبحانه: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ} أي تجبّر فيها، واستكبر على أهلها. وليس يراد بذلك العلو الذي هو الصعود. وإنما يراد به العلو الذي هو الاستكبار والعتوّ. وضدّ وصفهم المستكبر بالعلو والتطاول وصفهم المتواضع بالخشوع والتضاؤل.

.[سورة الدخان: آية 29]:

{فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ (29)}.
وقوله سبحانه: {فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ} [29] وهذه استعارة. وقد قيل في معناها أقوال: أحدها أن البكاء هاهنا بمعنى الحزن، فكأنه تعالى قال: فلم تحزن عليهم السماء والأرض بعد هلاكهم وانقطاع اثارهم. وإنما عبّر سبحانه عن الحزن بالبكاء لأن البكاء يصدر عن الحزن في أكثر الأحوال. ومن عادة العرب أن يصفوا الدّار إذا ظعن عنها سكّانها، وفارقها قطّانها بأنها باكية عليهم، ومتوجعة لهم. على طريق المجاز والاتساع. بمعنى ظهور علامات الخشوع والوحشة عليها، وانقطاع أسباب النعمة والأنسة عنها.
و وجه آخر وهو أن يكون المعنى: لوكانت السموات والأرض من الجنس الذي يصح منه البكاء لم تبكيا عليهم، ولم تتوجّعا لهم، إذ كان اللّه سبحانه عليهم ساخطا، ولهم ماقتا.
و وجه آخر، قيل معنى ذلك: ما بكى عليهم من السموات والأرض ما يبكى على المؤمن عند وفاته، من مواضع صلواته، ومصاعد أعماله، على ما ورد الخبر به.
وفى ذلك وجهان اخران يخرج بهما الكلام عن طريق الاستعارة، فأحدهما أن يكون المعنى: فما بكى عليهم أهل السماء والأرض. ونظائر ذلك في القرآن كثيرة. والآخر أن يكون المعنى أنه لم ينتصر أحد لهم، ولم يطلب طالب بثأرهم.
ومضى في أشعار العرب: بكينا فلانا بأطراف الرماح، وبمضارب الصفاح. أي طلبنا دمه، وأدركنا ثأره. اهـ.

.فصل في التفسير الموضوعي للسورة كاملة:

قال محمد الغزالي:
سورة الدخان:
{حم} الدخان. بدأت السورة بقسم بالقرآن الكريم {والكتاب المبين}، أى الواضح الجلى {إنا أنزلناه في ليلة مباركة}، هى يقينا ليلة القدر من ليالى رمضان. وأخطأ المفسرون الذين جوزوا أن تكون ليلة النصف من شعبان! وإنما بوركت الليلة بما نزل فيها من الوحى الخاتم، فهو وحى عامر بالحكمة والنور والخير الكثير {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته} {وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه}. وبركة هذا الكتاب أنه يصنع من البشر ملائكة، وأنه صنع من العرب الهمل أمة ذات حضارة لا تغيب عنها الشمس. {إنا كنا منذرين} للطغيان السائد، وهادمى قواعده، وهذا من قبيل التخلية قبل التحلية، فما قامت عدالة الإسلام إلا بعد الإجهاز على الممالك الظالمة التى سبقته. ومضت الآيات تؤكد عقيدة التوحيد وحاجة الأولين والآخرين إليها. ومعروف أن العرب قاوموا أول أمرهم دعوة الإسلام، وأحرجوا حملتها وأخرجوهم من ديارهم، فدعا النبى ربه «اللهم أعنى عليهم بسبع كسبع يوسف». فأجدبت الأرض وانقطع المطر وجاع المشركون وأظلمت الدنيا في عيونهم فكأن الجوغطاه الدخان، وملأته غبرة. فذهب ناس إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يسألونه أن يعفوعن قومه! ولكنهم بعد العفوعنهم وعودة العافية لهم نكثوا!! {إنا كاشفوالعذاب قليلا إنكم عائدون يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون}. وقد انتقم الله منهم يوم بدر فأهلك رؤساء الكفر وألحق بهم هزيمة مخزية. ذلك تفسير الجمهور للآيات.
وهناك رأى آخر أنا إليه أميل. ربما كان الدخان آية يكشف عنها الغد؟ وكما يوجل العالم الأن من ثقب (الأوزون) وخطره على الناس، قد تتمخض الافاق عن مصيبة داهمة وعذاب أليم لما شاع في الأرض من إلحاد وفسوق، ولما يلقاه الإسلام من خصومة وجفاء، ولما يوجه إلى شخص الرسول من مفتريات. عندئذ يجأر الناس إلى الله طالبين الرحمة، ونادمين على موقفهم الخائن من الرسالة الخاتمة. فهل يصدقون؟ أيا ما كان الأمر، فإن الحساب الجامع عند اللقاء الأخير، يومئذ توفى كل نفس ما قدمت وأخرت!! وقد بينت السورة أن حملة الوحى الأول مستهم البأساء والضراء، فإن موسى ناشد فرعون أن يطلق سراح قومه، وأن يتركهم ينطلقون معه إلى بلد آخر ولكن فرعون أبى إلا حبسهم على الأذى، فماذا كانت عاقبته ومن معه؟ أهلكوا جميعا {كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما آخرين}. والتاريخ يعيد نفسه، وعاقبة الظلمة في كل عصر واحدة. والمهم أن أصحاب الدعوات يرتفعون إلى مستواها وتصدق أعمالهم أقوالهم، فإذا ال الأمر إليهم كانوا نماذج للعدل والطهر! والمحزن أن الصلاح قصير الأجل في حياة أغلب المتدينين. فسرعان ما تغلبهم أهواؤهم ويحيدون عن تراث أنبيائهم. يقول تعالى في اليهود: {ولقد اخترناهم على علم على العالمين وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين}.
فماذا فعلوا بعدما تحرروا وملكوا؟ أظهروا في الأرض الفساد فمزقهم القدر الساهر.. واختار القدر بعدهم العرب، وأو رثهم القرآن العظيم، فساروا به أشواطا ثم تخفوا عنه إلا قليلا، فأدركهم العقاب العتيد المرصد لكل منحرف، فهم الأن شراذم يلغ في دمها كل جبار! إن الذين يخلصون للوحى يرثون خير الدنيا والآخرة. ذلك هو وعد الله للمؤمنين الصالحين. وأصحاب الحضارة الحديثة على قدر كبير من الذكاء، بيد أنهم لا يلتفتون للحياة الآخرة، ولا يخطر ببالهم أنهم ملاقوالله يوما، وهم يشبهون أهل الجاهلية من عرب الجزيرة الذين كانوا يسخرون من الحياة بعد الموت، ويعدونه حديث خرافة..
{إن هؤلاء ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين}. وسيجمع الله الآباء والأبناء، ويحاسب كلا على ما قدمت يداه، وإلا كانت الحياة عبثا باطلا، وكفاحا فارغا هازلا {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين}.
والحق الذى خلقت به السموات والأرض يظهر في القوانين الدقيقة التى تحكم الذرة والمجرة، والنملة والفيل، والسهو ل والغابات، والبر والبحر! وهناك علوم جادة تبحث في هذه الأرجاء كلها، وتعود بالعجائب الهاتفة بعظمة الخالق.. وكذلك يظهر هذا الحق في حساب أخير يفصل بين المسلمين والمجرمين، والذاكرين والغافلين، وذوى الضمائر الحية والضمائر الميتة! ويمتاز القرآن الكريم بأنه غلب ضجيج الحياة البشرية بوعده ووعيده، وأثبت من صور الدار الآخرة ما ينفى الغرور بهذه الدار الدنيا. وقد ختمت سورة الدخان بأحد هذه النماذج {إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون}.
ماذا ينتظر الأشرار؟ {إن شجرة الزقوم طعام الأثيم كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم}.
وماذا ينتظر الأخيار؟ {إن المتقين في مقام أمين في جنات وعيون يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين}.
إن الله أنزل القرآن على محمد ليوقظ الغافلين ويصنع به أمة ذات رسالة عظيمة {فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون فارتقب إنهم مرتقبون}. اهـ.

.في رياض آيات السورة الكريمة:

.تفسير الآيات (1- 8):

قوله تعالى: {حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هو السميع الْعَلِيمُ (6) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (7) لَا إِلَهَ إِلَّا هو يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائكم الأولين (8)}.

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
(بسم الله) الملك الجبار الواحد القهار (الرحمن) الذي عم بنعمة النذارة (الرحيم) الذي خص أهل وداده برحمة البشارة.
تقدمت الإشارة إلى شيء من أسرار أخواتها.
ولما ختمت الزخرف ببشارة باطنة ونذارة ظاهرة، وكان ما بشر به سبحانه من علم العرب وسلامتهم من غوائل ما كانوافيه مستبعدًا، افتتح هذا بمثل ذلك مقسمًا عليه.
فقال: {والكتاب} أي الجامع لكل خير {المبين} أي البين في نفسه، الموضح لما تقدم من دقيق البشارة لأهل الصفاء والبصارة، واضح النذارة بصريح العبارة، وغير ذلك من كل ما يراد منه، ولاجل ما ذكر من الاستبعاد أكد جواب القسم وأتى به في مظهر العظمة فقال: {إنا} أي بما لنا من العظمة {أنزلناه} أي الكتاب إما جميعًا إلى بيت العزة في سماء الدنيا أوابتدأنا إنزاله إلى الأرض {في ليلة مباركة} أي ليلة القدر- قاله ابن عباس- رضى الله عنهما- أو النصف من شعبان، فلذلك يتأثر عنه من التأثيرات ما لم تحط به الأفهام في الدين والدنيا، قال الأستاذ أبو القاسم القشيري: ينزل إلى سماء الدنيا كل سنة بمقدار ما كان جبريل عليه السلام ينزله على الرسول- صلى الله عليه وسلم- في تلك السنة وسماها {مباركة} لأنها ليلة افتتاح الوصلة وأشد الليالي بركة يكون العبد فيها حاضرًا بقلبه مشاهدًا لربه، يتنعم فيها بأنوار الوصلة ويجد فيها نسيم القربة، وقال الرازي في اللوامع: وأعظم الليالي بركة ما كوشف فيها بحقائق الأشيئاء.
ولما كان هذا موضحًا لما لوح به آخر تلك من البشارة في ظاهر النذارة، علل الأنزال أواستأنف ما فيه من واضح النذارة الموصل إلى المعاني المقتضية للبشارة، فقال مؤكدًا لأجل تكذيبهم: {إنا} أي على ما نحن عليه من الجلال {كنا} بما لنا من العظمة دائمًا لعبادنا {منذرين} لا نؤاخذهم من غير إنذار، فلأجل رحمتنا لهؤلاء القوم وهم أرق الناس طبعًا وأصفاهم قلوبًا وأو عاهم سمعًا نوصلهم بما هيأناهم به من ذلك إلى ما لم يصل غيرهم إليه ولم يقاربه من المعالي في الأخلاق والشمائل والاكتساب لجميع الفضائل.
قال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تضمنت سورة حم السجدة وسورة الشورى من ذكر الكتاب العزيز ما قد أشير إليه مما لم تنطوسورة غافر على شيء منه، وحصل من مجموع ذلك الإعلام بتنزيله من عند الله وتفصيله وكونه قرآنًا عربيًّا إلى ما ذكر تعالى من خصائصه إلى قوله: {وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون} [الزخرف: 44] وتعلق الكلام بعد هذا بعضه ببعض إلى آخر السورة، افتتح تعالى سورة الدخان بما يكمل ذلك الغرض، وهو التعريف بوقت إنزاله إلى سماء الدنيا فقال تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} ثم ذكر من فضلها فقال: {فيها يفرق كل أمر حكيم} فحصل وصف الكتاب بخصائصه والتعريف بوقت إنزاله إلى سماء الدنيا وتقدم الأهم من ذلك في السورتين قبل، وتأخر التعريف بوقت إنزاله إلى السماء الدنيا إذ ليس في التأكيد كالمتقدم، ثم وقع إثر هذا تفصيل وعيد قد أجمل في قوله تعالى: {فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون} وما تقدمه من قوله: {أم أبرموا أمرًا فإنا مبرمون} وقوله سبحانه: {أم يحسبون أنا نسمع سرهم ونجواهم} وتنزيهه سبحانه وتعالى نفسه عن عظيم افترائهم في جعلهم الشريك والو لد- إلى آخر السورة، ففصل بعض ما أجملته هذه الاي في قوله تعالى في صدر سورة الدخان {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين} وقوله تعالى: {يوم نبطش البطشة الكبرى}، والإشارة إلى يوم بدر، ثم ذكر شأن غيرهم في هذا وهلاكهم بسوء ما ارتكبوا ليشعروا أن لا فارق إن هم عقلوا واعتبروا، ثم عرض بقرنهم في مقالته ما بين لابتيها أعز مني ولا أكرم، ثم ذكر تعالى: {شجرة الزقوم} إلى قوله: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} والتحم هذا كله التحامًا يبهر العقول، ثم اتبع بذكر حال المتقين جريًا على المطرد من شفع الترغيب والترهيب ليبين حال الفريقين وينتج علم الواضح من الطريقين، ثم قال لنبيه- صلى الله عليه وسلم- {فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون} وقد أخبره مع بيان الأمر ووضوحه أنه {إنما يتذكر من يخشى} ثم قال: {فارتقب} وعدك ووعيدهم {إنهم مرتقبون}.
ولما وصف ليلة إنزال هذا القرآن بالبركة، وأعلم أن من أعظم بركتها النذارة، وكانت النذارة مع أنها فرقت من البشارة أمرًا عظيمًا موجبًا لفرقان ما بين المحاسن والمساوىء من الأعمال قائدة إلى كل خير بدليل أن أتباع ذوي البركة من العلماء، وإذا تعارض عندهم أمر العالم والظالم، قدموا أمر الظالم لما يخافون من نذارته، وأهملوا أمر العالم وإن عظم الرجاء لبشارته، قال معللًا لبركتها بعد تعليل الأنزال فيها، ومعممًا لها يحصل فيها من بركات التفضيل: {فيها} أي الليلة المباركة سواء قلنا: إنها ليلة القدر أوليلة النصف أصالة أو مالًا {يفرق} أي ينشر ويبين ويفصل ويوضح مرة بعد مرة {كل أمر حكيم} أي محكم الأمر لا يستطاع أن يطعن فيه بوجه من جميع ما يوحى به من الكتب وغيرها والأرزاق والآجال والنصر والهزيمة والخصب والقحط وغيرها من جميع أقسام الحوادث وجزئيًا في أوقاتها وأماكنها، ويبين ذلك للملائكة من تلك الليلة إلى مثلها من العام المقبل فيجدونه سواء فيزدادون بذلك إيمانًا، قال البغوي رحمه الله: قال ابن عباس- رضى الله عنهما ـ: يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما هو كائن في السنة من الخير والشر، والأرزاق والآجال، قال: وروى أبو الضحى عنه أن الله تعالى يقضي الأقضية في ليلة النصف من شعبان فيسلمها إلى أربابها في ليلة القدر.